الفصل 9:|حكاية الوحش|
الحياة، بطريقة غريبة، بدأت تعود إلى شيء يشبه الطبيعي.
استقريت في مدينة صغيرة في ولاية أوريغون، على الساحل، حيث الضباب يغطي المحيط كل صباح، والناس لا يطرحون أسئلة كثيرة.
وجدت عملًا في متجر كتب مستعملة، مكان هادئ يملكه رجل عجوز طيب اسمه هنري، لا يهتم بماضيك طالما تحضر في الوقت المحدد وتعامل الكتب باحترام.
استأجرت شقة صغيرة فوق المتجر، غرفة نوم واحدة، نافذة تطل على البحر.
كان المكان بسيطًا، هادئًا، آمنًا.
لكن الكوابيس لم تتوقف.
كل ليلة، كنت أحلم بالسرداب، بالأعين الحمراء، بصوت الغول الهامس.
وأحيانًا، كنت أحلم بكايل، بإيليجاه، بوجوههم وهم يبتعدون عني، يذوبون في الظلام.
كنت أستيقظ مبللة بالعرق، قلبي يدق بقوة، والشعور بأن شيئًا ما ناقص، شيئًا ما مفقود.
***
في إحدى الأمسيات، بعد إغلاق المتجر، كنت أرتب الكتب عندما سمعت جرس الباب يرن.
"آسفة، أغلقنا للتو..."
توقفت.
الشخص الواقف في الباب كان المفتش راميريز.
يبدو أكبر سنًا مما أتذكر، شعره أكثر شيبًا، خطوطًا أعمق حول عينيه.
"راميريز؟ ماذا... ماذا تفعل هنا؟"
دخل ببطء، أغلق الباب خلفه.
"جئت لأراك. للاطمئان عليك."
"كان يمكنك الاتصال."
"أعرف. لكنني أردت رؤيتك بنفسي. التأكد من أنك... بخير."
نظرت إليه بحذر.
"ما الذي حدث؟ لماذا أتيت الآن بالتحديد؟"
تنهد، نظر حوله، ثم سحب كرسيًا وجلس.
"بلاكريدج... تغيرت."
"تغيرت كيف؟"
"بعد المحاكمات، بعد الاعتقالات، المدينة كانت في فوضى. لا عمدة، لا قاضي، نصف الشرطة في السجن. كان هناك فراغ في السلطة."
"وماذا حدث؟"
"جاء أناس جدد. مستثمرون، رجال أعمال، أشخاص رأوا فرصة في مدينة رخيصة محطمة. اشتروا الأراضي، المصانع القديمة، العقارات."
"هذا يبدو... جيدًا؟"
"كان يجب أن يكون. لكن..." توقف، نظر بعيدًا. "بدأت أشياء غريبة تحدث مرة أخرى."
شعرت ببرودة تتسلل إلى عمودي الفقري.
"أي نوع من الأشياء؟"
"اختفاءات. ثلاثة أشخاص في الشهرين الماضيين. عمال بناء، يعملون في مشروع تجديد في... المنطقة الشمالية."
قلبي توقف.
"بالقرب من البيت."
"نعم."
نهضت، بدأت أمشي ذهابًا وإيابًا.
"لكن... لكنه قال إنه سينام. قال إنه انتهى."
"أعرف ماذا قال. لكن ربما..." توقف، اختار كلماته بعناية. "ربما إزعاج المكان، الحفر، البناء... أيقظه."
"يا إلهي."
"أو ربما..." أضاف بصوت أخفض. "ربما لم ينم أبدًا."
جلست مرة أخرى، وضعت رأسي بين يدي.
"ماذا تريد مني أن أفعل؟"
"لا أعرف. لهذا جئت. ظننت... ظننت أنك يجب أن تعرفي. وربما... ربما تستطيعين فعل شيء."
"أنا؟ ماذا يمكنني أن أفعل؟"
"أنتِ من تحدث معه. أنتِ من أنقذك. أنتِ... أنتِ من دمه."
نظرت إليه بحدة.
"هذا لا يعني أنني أستطيع السيطرة عليه. أو حتى التواصل معه."
"ربما لا. لكن ربما تستطيعين فهمه. أكثر من أي شخص آخر."
صمت طويل.
"راميريز، أنا تركت كل ذلك خلفي. بنيت حياة جديدة هنا. حياة هادئة، آمنة. لا أريد العودة."
"أفهم. وأنا لن أجبرك. فقط أردت أن تعرفي. الباقي... قرارك."
نهض، توجه نحو الباب.
عند العتبة، استدار.
"لوميرا، مهما قررتِ... أعرف أنك فعلت أكثر من كافٍ. أكثر مما يجب على أي شخص أن يفعل. لا أحد سيلومك إذا بقيتِ هنا."
"لكنك ستلوم نفسك إذا مات المزيد من الناس ولم أفعل شيئًا."
ابتسم ابتسامة حزينة.
"ربما. لكن هذا عبئي، ليس عبئك."
غادر، وبقيت وحدي في المتجر المظلم.
***
لم أنم تلك الليلة.
جلست عند النافذة، أنظر إلى المحيط الأسود، الأمواج تتكسر على الصخور.
فكرت في كايل، في إيليجاه، في كل من مات.
فكرت في الغول، في المخلوق الذي أنقذني، الذي قال إنني عائلته.
فكرت في العمال الثلاثة الذين اختفوا، في عائلاتهم التي تنتظر، تأمل، تخاف.
وعرفت، في أعماقي، ماذا يجب أن أفعل.
كرهت ذلك.
لكنني عرفت.
***
في الصباح، اتصلت بهنري، أخبرته أنني بحاجة لإجازة. أسبوع، ربما أكثر.
كان طيبًا كالعادة، قال خذي الوقت الذي تحتاجينه.
حزمت حقيبة صغيرة، استأجرت سيارة، وقدت شرقًا.
نحو بلاكريدج.
المكان الذي أقسمت ألا أعود إليه أبدًا.
***
وصلت بعد يومين من القيادة المتواصلة.
المدينة كانت مختلفة.
كانت هناك رافعات، معدات بناء، مبانٍ جديدة قيد الإنشاء. لافتات براقة تعلن عن "بلاكريدج الجديدة"، "مستقبل مشرق"، "فرص استثمارية".
لكن تحت كل هذا التجديد، المدينة لا تزال تحمل نفس الشعور.
الظلام. البرودة. الخوف الصامت.
قدت مباشرة إلى مركز الشرطة الجديد، مبنى حديث من الزجاج والفولاذ، مختلف تمامًا عن المبنى القديم الذي احترق.
راميريز كان ينتظرني.
"عدتِ."
"نعم. لا أستطيع تصديق ذلك، لكن نعم."
"شكرًا."
"لا تشكرني بعد. لا أعرف إذا كنت أستطيع فعل أي شيء."
"مجرد محاولتك... هذا يعني الكثير."
قادني إلى مكتبه الجديد، أصغر من السابق، لكن أنظف.
فتح ملفًا، وضعه أمامي.
"هؤلاء هم الثلاثة المفقودون. جيمس كولينز، 34 سنة، عامل بناء. ماريا سانشيز، 28 سنة، مهندسة موقع. تومي لي، 22 سنة، متدرب."
نظرت إلى الصور. وجوه عادية، أشخاص عاديون، يعيشون حياتهم، يذهبون للعمل، لا يعرفون ما ينتظرهم.
"متى اختفوا؟"
"جيمس قبل شهرين. ماريا قبل شهر. تومي قبل أسبوعين."
"وكانوا جميعًا يعملون في نفس المشروع؟"
"نعم. مشروع تجديد كبير. يريدون تحويل المنطقة الشمالية إلى منطقة سكنية فاخرة. منازل كبيرة، حدائق، المنطقة كلها."
"وهذا يشمل..."
"نعم. البيت القديم. خططوا لهدمه، تسوية الأرض، البناء فوقه."
"هذا جنون. بعد كل ما حدث، كيف يمكنهم..."
"المستثمرون الجدد لا يعرفون القصة الكاملة. ويعتقدون أن ما حدث في الماضي كان فقط فسادًا بشريًا. لا أحد أخبرهم عن... الشيء الآخر."
"وأنت؟ لماذا لم تخبرهم؟"
نظر بعيدًا.
"حاولت. لكن من سيصدقني؟ 'مفتش شرطة عجوز يقول إن هناك وحشًا تحت الأرض'؟ ظنوا أنني أفقد عقلي."
"إذًا تركتهم يبدأون البناء."
"لم يكن لدي خيار. لا دليل، لا سلطة لمنعهم."
"وحتى الآن."
"حتى بدأ الناس يختفون."
نهضت، بدأت أسير في المكتب.
"حسنًا. أحتاج الذهاب إلى هناك. إلى موقع البناء. أحتاج رؤية ما يحدث."
"سآتي معك."
"لا. أحتاج الذهاب وحدي."
"لوميرا، هذا خطر..."
"أعرف. لكن إذا كان الغول هناك، إذا كان غاضبًا... وجودك سيجعل الأمور أسوأ."
تردد، ثم أومأ.
"حسنًا. لكن خذي هذا." مد لي مسدسًا صغيرًا.
نظرت إليه بشك.
"هل تعتقد حقًا أن رصاصة ستوقفه؟"
"لا. لكنها قد تعطيك وقتًا للهرب."
أخذت المسدس، وضعته في حقيبتي.
"شكرًا."
***
وصلت إلى موقع البناء عند الغسق.
المكان كان مهجورًا، كل المعدات متوقفة، لا عمال، لا أحد.
بعد الاختفاءات، توقف العمل. لا أحد يريد المجازفة.
سرت عبر الموقع، بين الرافعات الصامتة والمباني نصف المكتملة.
وفي المركز، البيت.
أو ما تبقى منه.
كانوا قد بدأوا هدمه. نصف الجدران انهارت، السقف اختفى تمامًا، لا شيء تبقى سوى الإطار الخشبي والأساسات الحجرية.
لكن السرداب... السرداب لا يزال هناك.
الفتحة في الأرض، مفتوحة، مثل فم مظلم ينتظر.
اقتربت ببطء، قلبي يدق بقوة.
وقفت على الحافة، نظرت إلى الأسفل.
ظلام مطلق.
"مرحبًا؟" صوتي بدا صغيرًا، ضائعًا في الفراغ. "أنا هنا. أنا لوميرا."
لا رد.
فقط صمت.
"أعرف أنك هناك. أعرف أنك مستيقظ."
صمت أطول.
ثم، من الأعماق، صوت. ذلك الصوت الهامس المعدني الذي أعرفه جيدًا:
"لماذا... عدتِ؟"
"لأن الناس يختفون. لأنهم يخافون. لأنني... لأنني أريد أن أفهم."
"فهم... ماذا؟"
"لماذا تأخذهم. ظننت أنك قلت إنك ستنام، إنك انتهيت."
صوت حركة في الظلام. شيء يتحرك، يقترب.
ثم، ببطء، ظهر من الظلام.
الغول.
لكنه كان مختلفًا.
أكبر مما أتذكر، أكثر وحشية. الجلد أكثر شحوبًا، الأعين الحمراء أكثر سطوعًا، والجسد... الجسد بدا متضخمًا، كأنه كان يتغذى جيدًا.
"أنا... حاولت... النوم..."
صوته كان أكثر قوة، لكن أيضًا أكثر ألمًا.
"لكن... أيقظوني..."
"العمال. البناء."
"نعم... حفروا... في أرضي... كسروا... السلام..."
"فأخذتهم."
"كنت... جائعًا... غاضبًا... وحيدًا..."
نظرت إليه، إلى هذا المخلوق القديم، وفي تلك اللحظة، رأيت ليس وحشًا، بل كائنًا محطمًا.
"كم من الوقت؟" سألت بهدوء. "كم من الوقت كنت هنا؟"
"قرون... آلاف السنين... ربما... لا أتذكر..."
"ولماذا بقيت؟ لماذا لم ترحل، تجد مكانًا آخر؟"
"هذه... أرضي... مكاني... لا أستطيع... الرحيل..."
"لكنك لا تستطيع البقاء هنا أيضًا. سيستمرون في البناء، في الحفر، في الإزعاج. وإذا استمريت في أخذ الناس..."
"سيقتلوني."
"نعم. أو على الأقل، سيحاولون."
صمت ثقيل.
"ماذا... يجب... أن أفعل؟"
وفي تلك اللحظة، أدركت شيئًا.
لم يكن يسألني لأنني أملك إجابة.
كان يسألني لأنني الوحيدة التي استمعت إليه حقًا.
الوحيدة التي رأته ككائن، وليس فقط كوحش.
جلست على حافة الفتحة، ساقاي تتدليان في الظلام.
"أخبرني قصتك. الحقيقية. كيف أتيت إلى هنا؟ كيف أصبحت... هذا؟"
الغول تحرك أقرب، جلس، أو ربما انحنى، في وضعية مريحة.
ولأول مرة منذ قرون ربما، بدأ يروي قصته.